أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
191
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
وقوله تعالى : يُؤْمِنُونَ . . إلى آخره : إمّا استئناف وإمّا أحوال ، وجيء بالجملة الأولى اسمية دلالة على الاستقرار ، وصدّرت بضمير ، وبني عليه جملة فعلية ليتكرّر الضمير فيزداد الكلام بتكراره توكيدا ، وجيء بالخبر مضارعا دلالة على تجدّد السجود في كلّ وقت ، وكذلك جيء بالجمل التي بعدها أفعالا مضارعة ، ويحتمل أن يكون « تؤمنون » خبرا ثانيا لقوله : « هم » ، ولذلك ترك العاطف ولو ذكر لكان جائزا . وقوله : مِنَ الصَّالِحِينَ يجوز في « من » أن تكون للتبعيض وهو الظاهر . وجعلها ابن عطية لبيان الجنس ، وفيه نظر ، إذ لم يتقدّم مبهم فتبيّنه هذه . قوله تعالى : وَما يَفْعَلُوا : قرأ الأخوان وحفص : « يَفْعَلُوا » و « يُكْفَرُوهُ » بالغيبة ، والباقون بالخطاب ، فالغيبة مراعاة لقوله : « مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ » فجرى على لفظ الغيبة ، أخبرنا تعالى أنّ « ما يَفْعَلُوا » من خير بقي لهم غير مكفور . والخطاب على الرجوع إلى خطاب أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم في قوله : « كنتم » . ويجوز أن يكون التفاتا من الغيبة في قوله « أُمَّةٌ قائِمَةٌ » إلى آخره إلى خطابهم ، وذلك أنه آنسهم بهذا الخطاب ، ويؤيّد ذلك أنه اقتصر على ذكر الخير دون الشرّ ليزيد في التأنيس ، ويدلّ على ذلك قراءة الأخوين ، فإنها كالنص في أنّ المراد قوله أُمَّةٌ قائِمَةٌ » . و « كفر » يتعدّى لواحد ، فكيف تعدّى هنا لاثنين ، أولهما قام مقام الفاعل ، والثاني : الهاء في « يُكْفَرُوهُ » ؟ فقيل : إنه ضمّن معنى فعل يتعدّى لاثنين وهو « حرم » فكأنه قيل : فلن تحرموه ، و « حرم » يتعدّى لاثنين . قوله تعالى : مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ : « ما » يجوز أن تكون موصولة اسمية ، وعائدها محذوف لاستكمال الشروط أي : ينفقونه . وقوله : كَمَثَلِ رِيحٍ خبر المبتدأ ، وعلى هذا الظاهر - أعني تشبيه الشيء المنفق بالريح - استشكل التشبيه لأنّ المعنى على تشبيهه بالحرث - أي الزرع - لا بالريح . وقد أجيب عن ذلك بأحد أوجه : الأول : أنه من باب التشبيه المركب ، بمعنى أنه يقابل الهيئة الاجتماعية بالهيئة الاجتماعية ، ولا يقابل الأفراد بالأفراد ، وهذا قد مر تحقيقه أول البقرة عند قوله تعالى : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ « 1 » ، وهذا اختيار الزمخشري . الثاني : أنه من باب التشبيه بين شيئين بشيئين ، فذكر أحد المشبّهين وترك ذكر الآخر ، وذكر أحد المشبهين به وترك ذكر الآخر ، فقد حذف من كلّ اثنين ما يدلّ عليه نظيره ، وقد مرّ نظير هذا في البقرة عند قوله تعالى : وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ « 2 » . واختار هذا ابن عطية ، وقال : « هذه غاية البلاغة والإعجاز » . الثالث : أنه على حذف مضاف : إمّا من الأول تقديره : « مثل مهلك ما ينفقونه » ، وإمّا من الثاني تقديره : كمثل مهلك ريح . وهذا الثاني أظهر ؛ لأنه يؤدّي في الأول إلى تشبيه الشيء المنفق المهلك بالريح ، وليس المعنى عليه أيضا ، ففيه عود لما فرّ منه . وقد ذكر الشيخ « 3 » التقدير المشار إليه ، ولم ينبّه عليه ، اللهم إلا أن يريد ب « مهلك » اسم مصدر أي : مثل إهلاك ما ينفقون ، ولكن يحتاج إلى تقدير مثل هذا المضاف أيضا قبل « رِيحٍ » تقديره : مثل إهلاك ما ينفقون كمثل إهلاك ريح .
--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 18 ) . ( 2 ) سورة البقرة ، آية ( 171 ) . ( 3 ) انظر البحر المحيط 3 / 37 .